ابن خلكان

232

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

أيها الناس ، أبشروا برضوان اللّه الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا لما يسره اللّه على أيديكم من استرداد هذه الضالة ، من الأمة الضالة ، وردها إلى مقرها من الإسلام ، بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبا من مائة عام ، وتطهير هذا البيت الذي أذن اللّه أن يرفع ويذكر فيه اسمه ، وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه ، ورفع قواعده بالتوحيد ، فإنه بني عليه وشيد بنيانه بالتمجيد « 1 » ، فإنه أسس على التقوى من خلفه ومن بين يديه ، فهو موطن « 2 » أبيكم إبراهيم ، ومعراج نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام ، وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام ، وهو مقر الأنبياء ، ومقصد الأولياء ، ومدفن الرسل ومهبط الوحي ، ومنزل به ينزل الأمر والنهي ، وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر ، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها اللّه في كتابه المبين ، وهو المسجد [ الأقصى ] « 3 » الذي صلى فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالملائكة المقربين ، وهو البلد الذي بعث اللّه إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم ، وروحه عيسى الذي كرّمه برسالته وشرّفه بنبوّته ، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته ، فقال تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ( النساء : 172 ) كذب العادلون باللّه وضلوا ضلالا بعيدا مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ، سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( المؤمنون : 91 ) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ( المائدة : 17 ) إلى آخر الآيات من المائدة ، وهو أول القبلتين ، وثاني المسجدين ، وثالث الحرمين ، لا تشدّ « 4 » الرحال بعد المسجدين إلا إليه ، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه ، فلو لا أنكم ممن اختاره اللّه من عباده ، واصطفاه من سكان بلاده ، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار ، ولا يباريكم في شرفها مبار ، فطوبى لكم من

--> ( 1 ) ن : بالتحميد . ( 2 ) ن : موطىء ثرى . ( 3 ) زيادة من ر . ( 4 ) ن : الذي لا تشد .